مراهقة بعد الستين

البروفيسور: عبدالله السبيعي

مراهقة بعد الستين

حالة اضطراب وجداني ثنائي القطب

هذه القصة وغيرها.. ليست لحالات مرضية قابلتها، وإنما منسوجة لتظهر أعراض مرض نفسي معين بهدف التوعية ورفع مستوى الثقافة النفسية

أبوي يا دكتور عمره حول ٦٣ سنه.. رجّالٍ طيب، وفيه خير، مطوع وملتزم..
الحين اللي ما يعرفه يقول ما فيه شاء مررره، كلامه مع الناس كله ضحك ووناسة..
لكن نحن يا أهله وربعه اللي نعرفه صرنا ننقد عليه من حوالي السنتين، ما عاد يهتم في مصالحه.. وبس يدوّر وناسته.. في المخيمات والبر والاستراحات ومزاين الابل.. ويالله يلحق الصلاة.

صار يجالس التجار ويبي يسوي تجارة.. وسيارات.. ومعدّات..

وعقاراتٍ في تركيا.. ومزرعةٍ في البوسنة

والله يستر من بعض التجاير.

يتنا اللي نسكنه باعه وأخذ عليّ قرض، على اساس بيشتري بداله في حي زين، ولا اشترى.. ويطقطق في كل شيء مثل التجار، وما ندري وش عنده.. واذا حاولت أسأله أو أشير عليه انفعل علي.. واضطريت أسكت. ولاحظت انه صاير عاطفي. يبكي من اي موقف، وشوي تلقاه يضحك وكأن الموضوع عادي.

نومه ماهوب كثير.. لكن اكله زين ووزنه زاد شوي.. وصحته طيبة. ما يستخدم اي شيء لا ضغط ولا سكر، إلا علاجٍ للقولون من ٣ سنوات صرفه له طبيب باطني، وصار يشتريه من الصيدلية ويستخدمه على كيفه، لكن مناسب له الحمد لله.

وش رايك يا دكتور؟ هل ابوي فيه مرض نفسي او شيخوخه؟ أو مرض روحي؟ والله انا احترنا فيه


وهنا عرض الحالة وآراء المشاركين في تويتر


وهنا أناقش آراء المشاركين وأبدي رأيي وبعض التوجيهات بخصوص الحالة

بتحليل الردود قال 37% من المشاركين أن الوالد طبيعي تماماً. ومن هذه الفئة الموقرة من يمكن أن نسميه “القلب الحنون” الذي أظهر الكثير من التعاطف مع الرجل، والغضب من ولده متهماً إياه بالعقوق أو المرض؛ ومنهم “المحامي الشرس” الذي كان يدافع عن الرجل ويقول أن من حقه أن يفعل ما يشاء بماله، وينادي بعدم التدخل في قراراته.

أما الفئة الثانية: 14% من المشاركين أن الحالة ربما اضطراب وجداني ثنائي القطب، وهؤلاء معهم وجهة نظر أناقشها فيما يلي:

الاضطراب الوجداني ثنائي القطب يصنف على شكل 5 أنواع:

  • النوع الأول وفيه يتقلب المريض بين 3 أحوال: الحال الطبيعي ونوبات الهوس ونوبات الإكتئاب. ويمكن أن يستمر أي منها أيام أو أسابيع أو أشهر أحياناً.
    وقد شرحت هذا النوع هنا في التغريدة على اليسار:
  • النوع الثاني لم يسبق أن تطرقت له في سلسلة الحالات التي أعرضها هنا وفيه يتقلب المريض بين الحال الطبيعي ونوبات طويلة من الاكتئاب قد تسبقها أو تعقبها نوبات من الهوس الخفيف لا تتجاوز عدة أيام في الغالب.
  • النوع الثالث أو ما يسمى باضطراب المزاج الدوري، حيث يتقلب المريض بين حالات الاكتئاب والهوس الخفيف بشكل متكرر ومستمر.
  • النوع الرابع الذي تحدث فيه أعراض الهوس فقط بعد تناول مضادات الاكتئاب عند بعض الناس.
  • النوع الخامس ويطلق على من يعانون من الاكتئاب فقط ولكن يوجد لديهم تاريخ أسري للاضطراب الوجداني ثنائي القطب.

وباستعراض الحالة المطروحة بين أيدينا، والتي ظهرت فيها أعراض هوس خفيفة لمدة سنتين فلا تنطبق عليها معايير الأنواع الثلاثة الأولى من الاضطراب الوجداني ثنائي القطب (حيث تكون هناك حالات محددة من الإكتئاب أو الهوس، وليست مستمرة.

كذلك لا ينطبق عليها النوع الخامس لعدم وجود أعراض اكتئاب حالياً حسب المعطيات الظاهرة في القصة، ولا نعرف عن تاريخ أسرته شيئاً

بقي النوع الرابع..
وهنا أبدعت الفئة الثالثة (8% من المشاركين) الذين اتهموا دواء القولون.

أعجبتني جداً هذه الفئة التي قرأت بين السطور، لأنني فعلاً دسست هذه المعلومة بين باقي المعلومات..

وهي أساس المشكلة…

وقد عبرت عنها الأخت مها بما يثلج الصدر، وتلت مشاركتها بعض الردود الجميلة في ذات السياق:

نعم، هنا مربط الفرس…


الرجل صُرِف له مضاد اكتئاب، من طبيب باطني وهذا لا غبار عليه، لأنها تصرف أحياناً لبعض المشكلات النفسجسمي، لكنه استمر في استخدامه مدة طويلة، يزيد وينقص فيه كما يحلو له، دون مراجعة الطبيب.

وهذا سبّب له أعراض الهوس الخفيف، أي تغير في طبيعته: (ارتفاع المزاج، والبحث عن الإثارة وكثرة المزاح، والإندفاع في البيع والشراء والعبث بالمال، وقلة النوم …).

وهنا أوجه عدة رسائل…

رسالة إلى وزارة الصحة: يوجد تهاون في صرف الأدوية النفسية والمضادات الحيوية وأدوية الأعصاب بدون وصفة طبية رغم  أن النظام يمنع ذلك.
تأتيني حالات تعاني من مشكلات صحية بسبب الاستخدام الخاطئ المستمر لدواء يحصلون عليه من الصيدليات بلا وصفة أو بوصفة مهترئة.

رسالة للجميع: لا تستخدم دواءً من تلقاء نفسك لأي سبب كان، ولا تتهاون في استخدام دواء لأي سبب كان، إلا بالمتابعة مع طبيب.

رسالة للجميع: انتبهوا لكبار السن، فهم يستثقلون الذهاب للطبيب ويستمرون في استخدام دواء معين (قد يكون ضاراً على المدى البعيد) ويكتفون بإرسال علبته مع السائق أو أحد أفراد المنزل.

أما الفئة الرابعة (2% من المشاركين) فقد قالوا أن الحالة ربما مشكلة في مقدمة للدماغ، وهؤلاء كانوا من المتخصصين الذين أرفع لهم العقال تحية وتقديراً، فمعهم وجهة نظر ثاقبة. 

ولي هذا الموضوع عن الدماغ: العضو المعجزة


أما الفئة الخامسة (29% من المشاركين) فهم الفئة الحائرة.. الذين تنبهوا إلى أن الوالد غير طبيعي، ولكن آراؤهم مختلفة، ويشكرون على هذا القدر من الإدراك.


دعوني أوجه كلمات للفئة الأولى التي قالت من حقه أن يستمتع بما يفعل ما بقي من عمره وأن أولاده يجب أن يتركوه يفعل في ماله ما يشاء، من الناحية الشرعية القانونية: هو حر فيما يصنع ومكلف بتحمل تبعات تصرفاته، ولكن.. العاطفة قد تعمينا أحياناً عن الحقيقة وتجعل قراراتنا خاطئة

ما قولكم لو أن الرجل بـ “طقطقته” ومغامراته غير المحسوبة، خسر قيمة بيته والقرض الذي حصل عليه باسم ابنه؟ أين سيسكنون؟ ماذا لو وقع وأوقعهم في ديون لا قبل لهم بها؟ من الذي سيسجن؟ ومن الذي سيفعل المستحيل لسداد دينه وشراء حريته؟ أبناؤه الذين لا يملكون شيئاً؟ أم يتسلون الناس؟ كيف ستكون حالته النفسية ومعنوياته لو حصل ذلك؟



يرى المختصون في المال والأعمال أنه: كلما تقدمت السن بالمرء فيجب أن يتجنب الإستثمارات الخطرة كالأسهم ويكتفي بتلك المأمونة لأنه لم في العمر بقية تسعفه لو خسر ما في يده

ناهيك عن أن الكثير من هؤلاء المختصين ينهون أن تبيع بيتك أو أصلاً تملكه (مهما كان عمرك) لتتاجر به لأن “التجارة ربح وخسارة”.

أرأيتم كيف أن بعض التغيرات النفسية المرضية قد تفوت على الكثير من الناس وقد يكون لها عواقب وخيمة؟

مقالات ذات صلة

اضطراب الهلع أو الذعار

ما هي أعراض اضطراب الهلع أو الذعار؟ اضطراب الهلع أو…

المتعصبون والمتطرفون

المتعصبون والمتطرفون تأثير دوننج وكروجر مما يروى عن الخليل ابن…

التخلص من القلق

هل يمكن العيش بلا هموم؟

يأتيني في العيادة كثير ممن يعانون من القلق والخوف الذي…

المسح الوطني معلومات عامة

المسح الوطني السعودي للصحة وضغوط الحياة معلومات عامةما هو المسح…

كن سعيداً وانشر السعادة

  أفكار لاستعادة الشغف   يأتيني في العيادة الكثير من…

المواجهة التي لا بد منها

هل لديك رغبة ما؟ أو لك حاجة ما؟ أو حق…