
العيون لا تكذب
نقول أحيانًا، حين نشك في صدق أحدهم: “حط عينك بعيني”.. وكأننا نطلب منه أن يقف في مساحة لا يستطيع الاختباء فيها؛ ظنًا منا أن اللسان يعرف كيف يرتب الكلام وينمق العبارات، أما العين فقد تفلت منها أشياء لا يريد صاحبها أن تفلت.
الحقيقة أن العيون ليست جهازًا لكشف الكذب، ولن تقول لنا ببساطة: هذا صادق، وهذا كاذب. ما قد تكشفه العيون هو الاضطراب: الخوف، أو الحرج، أو محاولة التماسك، أو الرغبة في إخفاء شيء ما؛ أما معنى هذا الاضطراب فمسألة أخرى. فقد يرتبك الإنسان لأنه يكذب، وقد يرتبك لأنه يخشى أن يُساء فهمه، أو لأنه يقف أمام من يملك السُّلطة.
وهناك من يصرف نظره لأنه خائف، ومن يخفض عينيه لأنه يستحي، ومن لا يطيل النظر لأنه تربى على أن خفض البصر يعد تعبيراً عن الإحترام. وفي المقابل، ليس كل من يثبت عينيه صادقًا؛ فبعض الناس يتدرب على الثبات كما يتدرب الممثل على الوقوف على خشبة المسرح. وقد يكون التحديق الطويل ثقة، كما قد يكون تهديدًا، أو أداءً باردًا لا أكثر.
والأجمل هو التواصل البصري الطبيعي ذو الإيقاع الهادئ: نظرة، ثم انصراف، ثم عودة. هذا ما يحدث أثناء التفاعل اليومي، في مجلس العائلة، أو مع الأصدقاء، أو في مكان العمل.
وفي العيادة النفسية.. هوّن على نفسك وكن طبيعياً.. فلا تُقرأ العين وحدها، ولا يُبنى فهم حقيقي من رمشة أو نظرة هاربة. ولا بد أن تأخذ المقابلة وقتها الذي يقدّره الطبيب لمعرفة المراجع، الذي قد لا يكون بالضرورة مريضاً: كيف ينظر عادة؟ هل تغيّر نظره ونبرة صوته وحركة يديه حسب الموضوع؟ أسئلة وملاحظات، تدرس السياق وإيقاع خلال المقابلة، أهم من أي حكم سريع.
ثم إن العين ما هي إلا عضو في الجسم قبل أن تكون نافذة لما في الداخل. وهي تتأثر بالإرهاق، والأدوية، والقلق المزمن، وجفاف العين، والإضاءة، والكافيين، والعدسات، وبعض الأمراض العصبية.. إلخ..
كل هذه قد تصنع مشهدًا بصريًا يظنه المتعجل اعتراف نفسي.
كما أن الثقافة لها دورها.. حيث يعد خفض البصر في مجتمعنا أمام الأكبر سنًا، أو في بعض التفاعلات بين الرجال والنساء، دليلاً على الأدب واحترام الحدود الإجتماعية التي يعرفها الناس دون حاجة إلى شرح.
ملمح مهم.. هناك عين تقول: “أنا أراك”، وهناك عين تقول: “أنا أفتشك”. والفرق بينهما يشعر به الإنسان ولا حاجة أن يسمعه.
الغيور قد يرى في عين شريكه برودًا، والقلِق قد يلمح فيها احتقارًا ، ومن جُرح يوماً، قد يرى في وجوه الناس ظلالًا من ماضيه.
والحقيقة أننا قد لا نقرأ الآخرين كما هم، وإنما نقرأ خوفنا فيهم.
ومع ذلك، فالعين تفعل شيئاً.. غهي تطمئن. فنظرة هادئة من أم لطفلها، أو من طبيب لمريضه، أو من صديق يعرف متى يصمت، قد تفعل ما لا تفعله خطبة طويلة او قصيدة عصماء.
ويعود السؤال: هل تكذب العيون؟
أقول: العيون لا تجيد التمثيل. ولا تكفي وحدها للحكم على أحد؛ فالعيون تُفهم من داخل العلاقة، لا من فوق منصة الإتهام.







