
كل شيء تبدّل: السكن، الوظيفة، الأصدقاء، وربما ملامحك أيضا. ومع ذلك، في كل مرة، بعد أشهر من الهدوء، تعود المخاوف القديمة تقرع الباب في هدأة الليل، وتطل الأزمات نفسها بوجوه جديدة. لا لأن الحياة تتآمر عليك، بل لأن الشيء الوحيد الذي حملته معك في كل رحلة لم يتبدّل: العقل الذي بين أذنيك.
نظن العلة في المكان أو في الناس، ونحن نحملها في رؤوسنا حيثما رحلنا.
خلف قراراتنا اليومية تعمل قوالب صامتة، أسمّيها أنا “القيد القديم”، ويسميها بعضهم السيناريوهات الخفية (Invisible Scripts)، وهي أقرب في الأدبيات النفسية إلى ما يسمى المخططات المعرفية: معتقدات جوهرية عن نفسك، كُتبت فصولها الأولى في طفولتك، تحت أعين أسرتك وتوقعات من حولك. هي التي تقرر عنك الآن، بلا استئذان، كم تجتهد، وكم تخاطر، وأي سقف من النجاح تظن أنك تستحق.
وخطورتها أنها تتنكر في ثوب الطبع. تقول: هذا أنا، هكذا خُلقت، ولا حيلة لي. وهي ليست طبعك، بل نمط كررته سنوات حتى صار تلقائيا. لا تراها، لكنك تعرفها من آثارها: أزمة تتكرر مع أشخاص مختلفين، كأنك تغيّر الممثلين وتبقي النص، أو توقف مفاجئ كلما اقتربت من نجاح كبير، كأن حاجزا زجاجيا يمنعك من العبور.
هنا يُطرح العلاج الرائج: فكّر إيجابيا، ردد التوكيدات، تخيّل النجاح.. الخ
لكن هذه الإيجابية هشة، تنهار عند أول ضغط حقيقي، لأنها معلّقة بمزاج متقلب. بل إن الأبحاث تحذر من أثرها العكسي: وجد وود وزملاؤه سنة 2009 أن ترديد عبارات التمجيد الذاتي يزيد أصحاب التقدير المنخفض سوءا لا تحسنا، لأنها تصطدم بما يصدقونه عن أنفسهم فينكشف التناقض.
الحل البديل ليس أن تكذب على نفسك بالتفاؤل، بل أن تضبط عقلك؛ لأن العقل المنضبط لا ينكر الخوف، بل يعيده إلى حجمه، ويمنعه من توقيع القرارات نيابة عنك. الفرق بينهما كالفرق بين من يتمنى ألا تهب “الهبوب الشمالية”، ومن يلبس معطفه ويمشي فيها.
أصعب ما في هذه القوالب صوتها الذييدور في رأسك ولا يسكت. يعلّق ويحكم ويوبّخ، حتى تظنه أنت. وما هو إلا صدى مستورد عبر الزمن من أصوات غابرة: معلم قسا، أو أب خذل، أو خيبة قديمة نقشت أثرها في جهازك العصبي. والمشكلة أن جسدك يأخذ هذا الكلام على محمل الجد، فحين يصرخ فيك أنك فاشل، يستنفر جهازك العصبي كأن التهديد قادم من الخارج، فتعيش في تأهب لا سبب له إلا كلامك عن نفسك.
أكتب هذا وأنا أعرفه من كرسيي ومن كرسي المريض معا. كثيرا ما يجلس أمامي في العيادة من بدّل كل شيء في حياته إلا الجملة التي يرددها عن نفسه، فتعيده في كل مرة إلى نقطة الصفر. وأنا نفسي أعرف صوتا داخليا قاسيا، يحوّل الزلة الصغيرة إلى محاكمة. لم أتعلم إسكاته، فالإسكات لا يجدي، لكني تعلمت أن أصححه.
فحين يقول لك صوتك: أنت تفشل دائما، لا تجادله بإيجابية جوفاء، بل قاطعه بدقة: هذه المحاولة بعينها لم تنجح، وسأعدّ نفسي للمحاولة التالية. الدقة تنزع عن الجملة سطوتها، وتعيد الأمر إلى حجمه.
ولأن العقل يشبه العَضَلة لا القالب الجامد، فهو يستجيب للتمرين المتكرر. جرّب هذا.
اصنع مسافة بينك وبين ما يستفزك. لا تنفّذ أمر القيد القديم فور سماعه، امهل نفسك ثواني معدودة، ففيها يولد الاختيار الواعي بدل رد الفعل المكرر.
تدرّب على الصمت. لا تهرب من كل لحظة فراغ إلى شاشة الجوال، فالصمت ليس وقتا ضائعا، وإنما مصفاة تهدأ فيها المشاعر السطحية وتتشكل الأفكار الناضجة.
ولا تنتظر الحماس ليأتيك. الشجاعة والثقة ليستا شرطا للبداية، بل ثمرة لها. تحرّك وأنت مرتجف، وسيلحق بك الشعور بعد الفعل لا قبله. هذا ما نسميه التنشيط السلوكي: الحركة تسبق الرغبة، لا العكس.
وإن كان بجوارك من يصارع قيده القديم، لا تطالبه بالإيجابية السهلة ولا توبّخه على عثراته. كن له أذناً تسمع، وذكّره أن التراجع المؤقت جزء من التدريب، وليس حكماً بالفشل.
وهذا ليس جديداً على من تأمل في القرآن الكريم. الله جعل التغيير الخارجي معلّقا بالداخلي حين قال: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}. لاحظ الترتيب، فالنفس أولا ثم الحال. لم يقل حتى تتبدل ظروفهم، بل حتى يبدأ التبديل من الداخل.
أنت حين تسافر تشحن حقائبك، لكنك تحمل عقلك في رأسك، وهو أثقل ما تحمل. وما لم تُعِد قراءة النص الذي يكتب خطواتك، فستبلغ كل وجهة جديدة لتجد المشهد القديم واقفا في انتظارك.







