الطب النفسي المعالج والمتعالج

البروفيسور: عبدالله السبيعي


الطب النفسي هو تخصصٌ طبيٌ، يدرس في كلية الطب إلى جانب التخصصات الطبية الأخرى مثل الطب الباطني والجراحة وغيره. وتصدر الشهادة بإتقان الطب النفسي من الهيئة السعودية للتخصصات، وتقع مسئولية مزاولته، ومراقبة ممارسته على عاتق وزارة الصحة كباقي التخصصات الطبية الأخرى.

الطبيب النفسي هو الطبيب الذي درس في كلية الطب، ثم تخصص في تشخيص وعلاج الأمراض النفسية بعد ذلك. أما أثناء درساته للطب فهو يبدأ بدراسة الكيمياء والأحياء ، ثم علم وظائف الأعضاء والتشريح الآدمي ثم علم الأمراض، والصيدلية، والمختبرات والوبائيات… الخ.

أما معاينة الحالات المرضية بشكل مباشر فتتم في السنوات الثلاث الأخيرة، حيث يتدرب طالب الطب في كافة التخصصات الطبية مثل الطب الباطني ، والجراحة ، وطب الأطفال، والنساء والولادة، والجلدية، والعيون، والأنف والأذن والحنجرة والطب النفسي وغيرها.

وبعد اجتياز السنة السادسة يمنح شهادة بكالوريوس الطب والجراحة، لكنه لا يستطيع أن يسمي نفسه طبيباً حتى يكمل سنة الامتياز التي يتدرب فيها عملياً في عدد من التخصصات، وعلى العمل في الظروف الحرجة كالإسعاف والعناية المركزة، واتخاذ القرارات الهامة، تحت إشراف من هو فوقه في الرتبة المهنية مثل الطبيب المقيم أو النائب.

تأتي بعد ذلك مرحلة التخصص في الطب النفسي، حيث يتدرب الطبيب على مهارات تشخيص الأمراض النفسية، والتعامل مع المريض النفسي، والمقابلة النفسية للوصول إلى المعلومات الصحيحة، واختيار الأسلوب العلاجي الصحيح.

ويستمر التدريب في الطب النفسي أربع على الأقل بعد سنة الإمتياز، يتنقل فيها الطبيب تحت إشراف المجلس العلمي للطب النفسي بالهيئة السعودية للتخصصات الصحية، في دورات تدريبية بين عدد من المستشفيات، وأقسام الطب النفسي.

ويقضي الطبيب النفسي المتدرب هذه الدورات التدريبية التي تتراوح مدتها بين ثلاثة وستة أشهر تحت إشراف مباشر من استشاري مسئول، ليتم تقييمه في نهاية كل دورة، قبل أن يسمح له بالانتقال للدورة التالية.

كما يتم اختبار الطبيب النفسي المتدرب مرة على الأقل في السنة. ويكون هذه الاختبار نظرياً وعملياً على حالات مرضية منتقاة بعناية من العيادات أو أجنحة التنويم.

أما الشهادة التي يصنف بموجبها في التخصص فلا تمنح له إلا بعد اجتياز امتحانات مستفيضة تتضمن مئات الأسئلة التحريرية وعدداًَ من الاختبارات الشفهية والعملية.

ويشارك في عملية الاختبارات هذه (لضمان المصداقية والعدالة) عدد من الاستشاريين المؤهلين في الطب النفسي والمجال الأكاديمي الذين لا تقل خبرتهم عن خمس إلى عشر سنوات، والذين لم يسبق للطبيب المتدرب أن عمل معهم أو التقى بهم أو عرفهم بشكل شخصي.

عند اجتياز كل ذلك، فإنه يحصل على شهادة الزمالة أو العضوية في الطب النفسي، وهي تعادل الدكتوراه في التخصصات الأخرى غير الطبية.

وبعد هذه الشهادة قد يتدرب بعض الأطباء في تخصصات دقيقة مثل الطب النفسي للأطفال أو المسنين أو الإدمان أو العلاج النفسي غير الدوائي.

الأخصائي النفسي الإكلينيكي هو الذي درس في قسم علم النفس بكلية التربية أو الآداب أو العلوم الإجتماعية أو العلوم الطبية المساعدة، ثم تدرب على الأقل فصلاً دراسياً، في مؤسسة صحية خلال سنوات دراسته الجامعية.

ولابد للأخصائي النفسي الاكلينكي أن يدرس ويجتاز مجموعة من المواد المتخصصة في مجاله، منها: علم النفس الإكلينيكي، والعلاج النفسي، وعلم نفس الشخصية، وعلم النفس الفسيولوجي، وعلم النفس المرضي.. الخ.

ولا بد قبل بداية التدريب الميداني، أن يكون مُلماً بتطبيق المقاييس النفسية لتكون لديه القدرة على توظيفها والإستفادة منها بالشكل الصحيح.

وعند اجتياز امتحاناته الجامعية والفصل التدريبي، يمنح الطالب درجة البكالوريوس في علم النفس الإكلينيكي أو التعليمي أو التأهيلي… الخ (حسب مساره)، وبعد تدريبه في إحدى المؤسسات الصحية تحت إشراف الهيئة السعودية للتخصصات الصحية (بالنسبة للمسار الإكلينيكي)، يمنح تصنيفاً يمكنه من العمل في إحدى المؤسسات الحكومية أو الخاصة، كأخصائي نفسي مساعد. وبعد سنتين أو ثلاث من الخبرة يكتسب تصنيف أخصائي نفسي.

وتختلف عملية إكمال الدراسة أو التدريب للحصول على مؤهل أعلى من البكالوريوس في تخصصات علم النفس الفرعية، حسب طبيعة التخصص ومكانه والهدف منه. وتكون المؤهلات المهنية الإكلينكية تحت مظلة مؤسسات صحية وفي برامج محددة تعطي درجة مهنية في العلاج المعرفي السلوكي أو التحليلي أو القياسات النفسية أو غيرها.

والشائع -على الأقل في المملكة العربية السعودية- هو الدراسات الأكاديمية. ولكي يكمل دراسته، يحتاج الأخصائي هنا، للحصول على قبول في أحد أقسام علم النفس في إحدى الجامعات، وتكون دراسته على شكل مقررات ودراسة بحثية، يحصل بعدها على الماجستير أو الدكتوراه. أما في المجال العيادي تحديداً فيقوم الأخصائي النفسي بمعاينة الحالات تحت إشراف المسئول عن تدريبه لغرض تطبيق متطلبات بحثه من قياسات أو ممارسات علاجية.

ونظراً لسعة تخصص علم النفس (وخاصة الإكلينيكي، وهو مدار الحديث هنا)، فإن التدريب لغرض الممارسة، لا يمكن أن يكون شاملاً لكل فروع التخصص؛ لذلك نجد متخصصين في العلاج المعرفي أو العلاج التحليلي أو العلاج الأسري أو القياسات النفسية.. الخ. إضافة إلى أن الدراسات العليا في الجامعات تأخذ المنحى الأكاديمي فتركّز على البحث العلمي وطرائقه أكثر من التدريب العملي، إلا في حدود ما يخدم العمل الأكاديمي.

أما في المجال الصحي فإن من عمل الأخصائي النفسي الإكلينيكي، بعد حصوله على التصنيف المهني:

التقييم النفسي للمرضى والمراجعين.

تطبيق الاختبارات والمقاييس النفسية وصياغة نتائجها.

المساهمة في اجتماعات الفريق العلاجي برئاسة الطبيب النفسي لصياغة وتطبيق خطة العلاج.

تقديم العلاج النفسي ومتابعة المراجعين في إطار الخطة العلاجية.

كتابة التقارير النفسية عن الحالة.

علاقة الطبيب النفسي بالأخصائي النفسي مثار جدل بين بعض العامة أو المبتدئين من الأطباء النفسيين أو الأخصائيين، مما يوحي بأن ثمة صراع بينهما. لكن الحقيقة هي أن المثقفين، والمؤهلين تأهيلاً جيداً في التخصصات النفسية، يعلمون أن العمل العيادي أو الإكلينيكي يقوم على التخصصين معاً. ولم أشهد شخصياً صراعاً في أقسام الطب النفسي في المستشفيات التي عملت بها، بقدر ما شهدت التعاون والإحترام من الفريقين.

يأتي المريض للطبيب النفسي فيحيله لزميله الأخصائي النفسي للمساعدة في التشخيص أو العلاج النفسي غير الدوائي. والعكس يحدث أيضاً حيث يأتي المريض للأخصائي النفسي، فيحيله لزميله الطبيب النفسي للمساعدة في تشخيص الحالة والعلاج الدوائي.

وفي أقسام الطب النفسي تعقد المحاضرات وحلقات التدريب ومناقشة الحالات ويدلي كل من الطبيب النفسي والأخصائي النفسي والأخصائي الإجتماعي بدلوه، مما ينتج عنه حوار ثري بالمعلومات والأفكار التي فيد المتدربين في هذه التخصصات وتساهم في خطة علاج المرضى.

والمريض النفسي كثيراً ما يكون ضحية من يعتقد أنه يتوهم أعراضه، وأن شكواه ليس لها أساس حقيقي. بل يعتقد البعض أنه يجب أن يتحكم في أعراضه وأن ينساها أو يتناساها. وإن لم ينجح في ذلك فهو ضعيف أو فاشل أو بعيد عن ربه ويجب أن يعود إليه.

والحقيقة أن ذلك يوقع المريض النفسي في إشكال كبير، عندما توجه له هذه الاتهامات بأنه مصاب بالوهم أو الفشل أو ضعف الإيمان، وأن مسئولية التخلص من المرض تقع على عاتقه هو وحده.

المرض النفسي ليس خطأً.. وليس فشلاً.. وليس ضعفاً.. وليس بعداً عن الله.. إنه مرض

البروفيسور عبدالله السبيعي

ولذلك نقول: إن الأعراض التي يشكو منها المريض النفسي حقيقية وليست متخيلة. وإنما سُمِّي المرض النفسي كذلك، لأن الأعراض نفسية في ظاهرها، مثل الضيق والخوف والغضب، أو في أصلها مثل الألم والخفقان وفقد الشهية للطعام وضيق النفس،التي قد تعبر عن مرض نفسي مثل الاكتئاب والقلق.

وعلى وجه العموم، فكل الأمراض النفسية تقريباً، لها أساس عضوي في سيالات الدماغ- أو النواقل العصبية (المواد التي تفرزها خلايا الدماغ لتتفاهم فيما بينها، وتتناقل بوساطتها المعلومات في أنحاء الجهاز العصبي).

وإذا عُلِم ذلك، فإنه يسْهُل أن نفهم أنّ الأعراض النفسية أو الجسمية، يمكن أن يكون سببها خللاً في هذه السيالات. فارتفاع معدلات سيالة النورأدرينالين (NA) في الدماغ ، على -سبيل المثال- يمكن أن يسبب الشعور بالخوف، والتوتر، والأرق والخفقان وضيق التنفس. وهذه الأعراض كلها حقيقيةٌ ، وليست من نسج خيال المريض.

عندما نسأل المريض إن كان يعاني من صعوبة في التنفس، يجب أن نسأه كذلك عن الكآبة، والقلق والضغوط النفسي

جوناثان روجرز – طبيب نفسي

ولكي نقرب الصورة لذهن القارئ الكريم، لنتصور أن زيداً من الناس رن جرس هاتفه في ساعة متأخرة من الليل، فرفع السماعة ليفاجأ بصوت أخيه يبكي… ، سيشعر من ضمن ما سيشعر به بتسارع ضربات قلبه وانهيار في قواه، وربما سقط على الأرض.

هذه الأعراض ليست بسبب مرضٍ عضويٍ يعاني منه، بل هي بسبب الزيادة المفاجئة لمعدلات النورأدرينالين، التي حدثت بسبب خوفه المفاجئ عند سماع بكاء أخيه في هذا الوقت المتأخر من الليل.

وربما قد مرّ مثل هذا الشعور بكثير من الناس، لكنه لم يلق له بالاً، لأنه تيقن أن الأعراض التي شعر بها إنما هي بسبب الخوف، وهو ما يجعلها مفهومة وغير مقلقة.

أما عندما تحدث هذه الزيادة في السيالة العصبية أو تلك بلا سبب واضح للإنسان، وتسبب مثل هذه الأعراض (كما هو الحال في كثير من الأمراض االنفسية)، فإنها تكون غير مفهومة لمن يشعر بها، مما تجعله يبحث عن مرض عضوي يفسرها. وعندما لا يجد لها سبباً عند الأطباء، تكون حيرته أشد وأكبر، فيبدأ بعد ذلك مرحلة التيه والتخبط بين نصائح المحبين، وفلسفات المتعافين المتعالمين، وتوهمات المعالجين الشعبيين والرقاة.

وأخيراً لا يتم الحديث إلا بالإشارة إلى دور أحداث الحياة المجهدة مثل الصدمات أو الضغوط النفسية، أو بعض العوامل مثل تعاطي المخدرات على تفكير الإنسان.

حيث أن ما بين هذه العوامل والمعاناة النفسية دور كبير للأفكار غير العقلانية التي تساهم في تكوين وتشكيل المشاعر السلبية والسلوك.

مقالات ذات صلة

القلق العام

اضطراب قلق الأمراضالخوف والتردد قلق الأمراض هو أحد الإضطرابات النفسية…

المواجهة التي لا بد منها

هل لديك رغبة ما؟ أو لك حاجة ما؟ أو حق…

الكمالية

متى ولماذا؟لا كامل إلا وجه الله السعي بدرجة ما للكمال،…

أفكار للترابط الأسري

الكل مشغول بالعمل وزحام المواصلات والأبناء في مدارسهم، ولا وقت…

تمكين الطفل وصناعة القرار

I   لو اشترى أحدنا فرساً أو حتى كلباً لسأل…

المتعصبون والمتطرفون

المتعصبون والمتطرفون تأثير دوننج وكروجر مما يروى عن الخليل ابن…