
نوره
شخصية تخيلية أطرح من خلالها ملامح لبعض المشكلات النفسية.. أناقش فيها متابعيّ على حسابي في تويتر، بهدف التوعية ورفع الثقافة النفسية…
التغريدة الأولى هنا، ويمكنكم الإطلاع على المشاركات والنقاشات فيما بين المتابعين…
نوره، بعد ولادة طفلها الثاني منذ ٣ سنوات
— ا.د.عبدالله بن سلطان السبيعي (@Prof_Subaie) June 30, 2021
يذكر أخوها أن مشاعرها متبلدة، تميل للصمت والسرحان والإنطواء. عندما تجلس مع العائلة تتمتم وتبتسم بدون سبب، وعندما تكون لوحدها يسمعون صوتها كأنها تحدث أحداً.
أهملت نفسها وبيتها وطفليها، وتركت وظيفتها.
ماهي مشكلة نوره يا ترى؟
وبعد يومين قمت بتحليل التغريدة السابقة ومناقشة الحالة بعد استعراض مشاركات المتابعين، في محاولة للإجابة على التساؤلات وتصحيح المفاهيم المغلوطة
فيما يلي سأعيد كتابة النقاش ومراجعة الحالة…
٣ مشاركاً (١٢.٥٪) قالوا أنها حالة اكتئاب ما بعد الولادة (الأصح عربياً اكتئاب النفاس). وهؤلاء أشكل عليهم حدوث المرض بعد الولادة. لكن الأعراض الأبرز في هذه الحالة أيضاً ليست اكتئابية كما سيأتي، من ناحية، وامتدت 3 سنوات وهذه مدة طويلة وليس الحال كذلك عادة في اكتئاب النفاس.
٤ مشاركين (١.٥٪) قالوا أن حالة نوره اكتئاب. ومع أنني أتفهم وجه إشكالهم وهي الإنطواء والسرحان وإهمال نفسها وطفليها. لكن الجواب غير صحيح، اذا لا وجود واضح لأعراض الإكتئاب المعروفة والتي لا يمكن تشخيص حالة إكتئاب بدونها مثل الحزن والضيق المستمرين أو عدم القدرة على الإستمتاع بشيء، إضافة للبكاء والتفكير السلبي واضطرابات النوم وشهية الطعام… الخ.
بل إن الأعراض المذكورة غير ذلك تماماً.
لتعرف أكثر عن الإكتئاب النفسي اضغط هنا
مشارك ١ قال أنها اضطراب وجداني، وقد اقترب خطوة إلى الجواب الصحيح أكثر من سابقيه.
و ٥ مشاركون (١.٩٪) قالوا أنها حالة اكتئاب ذهاني. وهؤلاء لهم تهنئة لتعرفهم على الصورة الذهانية في الحالة.
١٢ مشاركا (٤.٦٪) قالوا أنها ذهان النفاس. وهؤلاء لهم تهنئة لمعرفتهم أعراض الذهان فقط، لكنهم ربطوه بالنفاس وهذا هو الجانب الخطأ، إذ أن تزامن بداية المرض بالنفاس لا يعني السببية من ناحية، كما أن ذهان النفاس الذي يستغرق اكثر من 6 أشهر يصبح شيئاً آخر.
٧ مشاركين (٢.٧٪) قالوا أنها حالة ذهانية فقط، ولم يأتوا بذكر للإكتئاب أو يربطوها بالنفاس. وهؤلاء هم الأقرب للصواب ولهم تهنئة خاصة.
أما التهنة العظمى فهي للذين قالوا أن الحالة فصام (٦ مشاركين، ٢.٣٪) لأن الأعراض ذهانية ومزمنة نسبياً. أما حدوثها بعد الولادة فلا قيمة له الآن بعد ٣ سنوات (لذلك نقول أنها على الأرجح حالة فصام ونتجاهل مسألة النفاس تماماً لأنها لا يقدم ولا يؤخر في العلاج.
الفصام مرض ذهاني مزمن، من أعراضه الهلاوس السمعية والبصرية (نوره كانت تتحدث مع نفسها وتتمتم وتتفاعل مع الأصوات التي تسمعها)، ومن أعراضه كذلك تدهور الأداء كإهمال نوره لنفسها وأطفالها وبيتها، وترك عملها، وانسحابها من المجتمع.
لم يكن لدى نوره ضلالات (اعتقادات ضالة لا يصدقها احد وتتصرف لحسبها)، وهي إحدى الأعراض البارزة في الفصام ولكن لا يلزم وجودها طالما حقق المريض الحد الأدنى من معايير التشخيص، وهذا ماتحقق في حالة نوره.
لتعرف أكثر عن الإكتئاب النفسي اضغط هنا
ولمزيد من التفصيل والإحصائيات حول الأمراض النفسية بمرحلة النفاس:
- كآبة النفاس: وهي طبيعية وشائعة، تحدث في حوالي ٧٥٪ من النساء خلال ٣ أيام بعد الولادة وتستغرق يومين أوثلاثة. فيها شعور بالكآبة والبكاء والأرق. ولا تحتاج في الغالب لأكثر من الراحة والدعم الأسري.
- إكتئاب النفاس: وهو أقل شيوعاً، لكنه مرض يحتاج إلى علاج، ويحدث في ١٠-١٥٪ من النساء عادة بعد اسبوعين او ثلاثة من الولادة (إلى ٦ أشهر). وهو اكتئاب حقيقي شديد، من أعراضه: الحزن الشديد، البكاء، الصمت، العزلة، العجز والخوف، اليأس، فقدان المتعة في الحياة، التفكير في الموت، اضطراب النوم وفقدان الشهية للطعام ونقص الوزن.
ويؤثر اكتئاب النفاس كثيراً على قدرة الأم على رعاية نفسها أو مولودها، بل قد تكون خطراً على نفسها وعليه. ولذلك ينبغي الوعي العام به ومعرفته وتشخيصه وعلاجه مبكراً، دوائياً ونفسياً واجتماعياً، لأنه قد يتكرر لاحقاً مع الولادات الأخرى. - ذهان النفاس: وهو نادر لكنه مرض يحتاج إلى علاج، ويحدث في ١-٢ من كل ألف امرأة، عادة خلال الأسبوعين الأولين. ويأتي على شكل:
1. اضطرابات في المزاج: اكتئاب أو هوس(بهجة أو عصبية)، مصحوبة بأعراض ذهانية (انفصال عن الواقع) مثل الهلاوس السمعية أو البصرية، الضلالات، التصرفات غير طبيعي، وتحدث في ٨٠٪ من حالات ذهان النفاس.
2. أعراض شبه فصامية في ١٥٪ من حالات ذهان النفاس (ذهانية بدون أعراض مزاجية)
3. اضطرابات إدراكية (في الإهتداء، التركيز والإنتباه، الذاكرة، الحكمة) وتشكل ٥٪ من حالات ذهان النفاس. وهذه الحالات ينبغي التعرف عليها مبكراً لخطورتها والعلاج الدوائي في الدرجة الأولى ثم النفسي والإجتماعي عند التماثل للشفاء.
ومما تجدر الإشارة إليه أن مرحلة النفاس من أكثر مراحل حياة المرأة احتمالاً للإكتئاب والذهان، بسبب التغيرات الجسمية السريعة فيها، إضافة إلى إرباك حياتها بسبب المولود الجديد إضافة لأعباء حياتها الأخرى وما تعانيها في نفسها.
ومن المحزن أن البعض لم يخطر بباله أن هذه أمراض خارجة عن الإرادة وقال أنها يجب أن تفرح وكأنه يظن أن الأمر بيدها. بل ألمح البعض (ومنهم مختص في العلوم النفسية) ان اكتئاب النفاس غير موجود إلا في عقول النساء وأن حالة نوره مجرد دلع أو هروب من المسؤولية أو للفت نظر الزوج.
أحد المتعلمين بل القادة المربين، قال أن ما بها هو “فتق بالرأس“!!! وذكر قصة في الزمن الغابر لحالة “فتق“
شفيت بعد كيها بالنار. وقد لقيت هذه المشاركة اهتماماً ونقاشاً خلاصته
تفكير عجيب بأن هناك حالات لا يعرفها الطب الحديث، ولا يعالجها إلا
المعالجين الشعبيين !!!.
وكالعادة، تنمر البعض واستشرف على نوره وعلى المرضى النفسيين بأنهم بعيدون عن الله وقراءة القرآن، ولاهون في ملذات الحياة. لذلك كثرت الأمراض النفسية في هذا الجيل -بزعمهم- ولم تكن تعرف عند أماتهم.
لهؤلاء أقول: عدم العلم بالشيء لا يعني أنه غير موجود، وأن في بناتنا وأبنائنا الخير ان شاء الله







