I
لو اشترى أحدنا فرساً أو حتى كلباً لسأل وتعلّم وبذل جهداً في تربيته وتدريبه..
لكنه ربما لا يبذل نفس الجهد في تربية أبنائه وكأن تربية الأبناء أمر فطري لا يحتاج إلى تعلم أو تدريب..
وبناء عليه يتعامل مع أبنائه بأسلوب المحاولة والخطأ.. فربما يقسو على الكبير، ويتهاون قليلاً مع الأوسط، ويكِل الأصغر لإخوانه يتعلم منهم..
جاءتني أمً ذات مرة في العيادة، تشكو أن ابنها لا يتحدث معها، عندما تسأله “كيف يومك؟” ويكتفي بقول: “عادي.”
سألتها: كم سؤال تسألينه حين يرجع من المدرسة؟.. قالت: أربعة أو خمسة… عشان أطمئن.
قلت لها: ولدك لا يصمت لأنه لا يثق بك.. يصمت لأن أسئلتك تشبه التحقيق.
وأقول هنا.. أن الطفل يبدأ في بناء هذه هويته مبكراً جداً، من خلال الحكايات الصغيرة التي يرويها كل يوم. والوالد الذي يقاطع الرواية أو يُصححها ربما يُعدّل سلوكاً، لكنه أيضاً يتدخل في عملية بناء الهوية.
تقرير المصير ليست مصطلحاً سياسياً.. فقد تحدث عنها عالمي النفس ديسي وريان، في سياق حاجات الطفل الثلاث:

الحوار اليومي مع الطفل هو التمرين الوحيد الذي يُغذّي الثلاث في لحظة واحدة. حين يروي قصته ويُستمع إليه، يشعر بالانتماء.. وحين يُسأل رأيه، يشعر بالاستقلالية.. وحين يكتشف حلاً بنفسه، يشعر بالكفاءة.
لكن هناك خطوة قبل كل هذا.. حيث يقول علماء النفس أن الطفل لا ينتقل للتنظيم الذاتي من فراغ. وأن الخطوة الحاسمة التي يغفلها أغلب الآباء.. هي “التنظيم المشترك” حيث يتعلم الطفل تهدئة نفسه من خلال حضور الوالد الهادئ بجواره.
الكثير من الفخاخ
فخ الطفل المؤدب
في ثقافتنا الخليجية تحديداً.. الطفل “الشاطر” هو الذي لا يعترض.. لا يسأل كثيراً.. لا يُجادل.. يسمع الكلام
النبي ﷺ لم يُسكت الأطفال. الحسن والحسين كانا يصعدان على ظهره وهو يُصلي بالناس في المسجد، فيُطيل السجود. هذا ليس تساهلاً.. بل فهم لحاجة الطفل رغم قداسة المكان والزمان
فخ المكافآت
حين تقول لطفلك: “سأعطيك عشرة ريالات على كل كتاب تقرؤه”.. فأنت تُحوّل المتعة إلى صفقة.
المعادلة بسيطة:
ما يفعله الطفل بشغف.. اتركه يفعله بشغف.. تدخّلك بالمكافأة يقتل الشغف ويُبقي الصفقة.
فخ الإستجواب
كثير من الآباء نقاشاتهم محاضر تحقيق، غير مدركين أن الطفل ذكي ويعرف ماذا يعني: “كيف كان يومك؟ وش سويت؟ مع مين كنت؟ ليش ما لعبت مع فلان؟” وهذا يعلم الطفل بسرعة كيف يُنتج إجابات مختصرة دفاعية كإجابات الذكاء الإصطناعي: “عادي. تمام. ما صار شي.”
ثلاث خطوات تبدأ بها اليوم
الأولى: حين يعود طفلك، لا تبدأ بسؤال. بل ابدأ بملاحظة: “شكلك تعبان” أو “وجهك مبسوط.” ثم اصمت، ودعه هو يفتح الباب…
الثانية: حين يحكي لك موقفاً، لا تقفز للحل، بل قل: “وأنت وش حسيت؟” هذا السؤال وحده ينقله من سرد الأحداث إلى فهم مشاعره ويعلمه الذكاء العاطفي.
الثالثة: حين يواجه مشكلة، لا تُعطه الجواب. بل قل: “لو أنت مكانه، وش تسوي؟” كل مرة يكتشف فيها حلاً بنفسه، تُبنى في دماغه قناعة صامتة: “أنا قادر” هذه القناعة هي الوقود الذي يحتاجه عندما يكبر.
ختاماً…
كل محادثة مع طفلك هي فرصة.. ليتعلم.. ليثق بنفسه.. ليحمي نفسه
هي فرصة ليكتشف -بنفسه- أنه صوته يستحق أن يُسمع.
وأنه قادر.. وأنه ليس وحده
الطفل الذي يكبر على هذا الأسلوب: يملك بوصلته الداخلية ولا يحتاج من يقوده
![]() |
تمكين الطفل وصناعة القرار وبناء عليه يتعامل مع أبنائه بأسلوب المحاولة والخطأ.. فربما يقسو على الكبير، ويتهاون قليلاً مع الأوسط، ويكِل الأصغر لإخوانه يتعلم منهم |







