
لأقلنك.. عندما ينتصر الهوى
هذه قراءة فكرية ونفسية لأول جريمة قتل في الموروث الإنساني.
ليست قصة ابني آدم حادثة عابرة في فجر البشرية، وإنما هي مرآة تكشف بواعث الشر والخير في النفس الإنسانية، وكيف يتسلل الهوى ليقود صاحبه إلى الخسار والندم.
ومع أن القرآن لم يسمِّ الابنين صراحة، لكن ما استقر في كتب التفسير هو أنهما هابيل وقابيل.
إختلف الأخوان على من يتزوج من؟ فقرّبا قرباناً لله تعالى، وتُقبّل من أحدهما ولم يُتقبّل من الآخر. فاشتعلت في صدر قابيل الغيرة ولم يراجع قابيل نفسه، فهدد أخاه صراحة: «لَأَقْتُلَنَّكَ».
أما هابيل فقد واجه التهديد بهدوءٍ، مؤسساً رده على يقين بالقبول عند الله: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}. ولم يكتف بالوعظ، بل أعلن التزامه التام بترك العنف، خوفاً من الله: {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ}. وأنذره أن القاتل سيبوء بإثمه وإثم من قتل، ومصيره النار جزاء الظالمين.
لكن قابيل لم يرتدع، وسهّلت له نفسه القتل: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ الغاضبة قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ}. ولم تلبث أن ذهبت سكرة الغضب وعادت فكرة العقل.. فوقف عاجزاً أمام جثة أخيه لا يدري ما يصنع، حتى بعث الله غراباً يحفر الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه. عندها ثاب لرسده واستوعب فعلته واستاء من نفسه وصرخ: {يَا وَيْلَتَىٰ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي}، وختمت الآية: {فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ}.
القراءة النفسية..
لم يقبل قابيل معيار القبول عند الله، ولا نتيجة قربانه، فتحرك بمنطق الغيرة التي غلبت التسليم. ولعل موقفه هذا يشبه موقف إبليس في رفض أمر الله له بالسجود لآدم، فقابل أمر الله بالاستعلاء والاعتراض. {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ} هذا لفظ قرآني دقيق؛ فالنفس لا تدفع بالجريمة فجأة، بل تمهّد لها تدريجياً، وتخفي بشاعتها عن عين صاحبها حتى تبدو خياراً ممكناً لا أكثر.
كما يُفهم من تهديده واستجابته لدافع القتل أن غلبة الانفعال غلبت نظره في العواقب، فتجاهل تحذير أخيه ويقينه.
وعلّم الغراب “الإنسان” العاجز كيف يواري جثمان أخيه، فكشف المشهد مقدار ضعفه حين أطاع نوازع نفسه. والآية تصف شعوره بالندم حين لا ينفع الندم فأصبح من النادمين، دون أن تفصّل في مآل
ذلك الندم.
ومن ناحية أخرى ضرب هابيل مثالاً في رفض الدخول في دائرة العنف، مفضلاً أن يلقى الله مظلوماً على أن يلقاه ظالماً.
وربط القرآن هذه الجريمة الفردية بحكم عام يوحي ببشاعة الحدث وحق الإنسان في الحياة: من قتل نفساً بغير حق فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً.
إقتباس
مقياس قبول الإعمال هو التقوى، لا حجم العمل أو ظاهره:
{إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}.







